عمر بن محمد ابن فهد

254

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

بين ظهرانينا قد عضل بنا ، وفرّق جماعتنا ، وإنما قوله كالسحر ، يفرق بين الرجل وبين ابنه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلّمه ، ولا تسمع منه . فو اللّه ما زالوا بي حتى أجمعت على ألّا أسمع منه شيئا ، ولا أكلمه ؛ حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا « 1 » - فرقا أن يبلغ منى قوله وأنا لا أريد أن أسمعه - فغدوت إلى المسجد فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قائم يصلى عند الكعبة ، فقمت قريبا منه ، فأبى اللّه إلا أن يسمعني بعض قوله ؛ فسمعت كلاما حسنا ، فقلت في نفسي : وا ثكل أمي ، واللّه إني لرجل لبيب [ شاعر ] « 2 » / ما يخفى علىّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فإن كان الذي يأتيني به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته ، فمكثت حتى انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى بيته فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت : يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا وكذا ، فو اللّه ما برحوا يخوفوننى حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى اللّه إلا أن يسمعنيه ، فسمعت قولا حسنا ؛ فاعرض علىّ أمرك . فعرض علىّ الإسلام ، وتلا القرآن ، فو اللّه ما سمعت قولا قطّ أحسن ، ولا أمرا أعدل منه . فأسلمت وشهدت شهادة الحق ، وقلت : يا نبي اللّه إني امرؤ

--> ( 1 ) الكرسف : القطن . ( المعجم الوسيط ) ( 2 ) الإضافة عن سيرة النبي لابن هشام 1 : 256 .